أبو عمرو الداني

4

جامع البيان في القراءات السبع

وكان حقّ علم القراءات أن نعنى به أشدّ عناية ، كما عني به سلفنا الصالح ، لأنه من أوثق العلوم صلة بكتاب الله تعالى . وشرف العلم من شرف موضوعه ، وأنه به يعرف تاريخ هذا القرآن الكريم ، وتواتر نقله جيلا بعد جيل ، وبه يعرف الصحيح من الشاذ ، وما تصح به الصلاة وما لا تصح من القراءة . هذا وقد وردت الأحاديث الشريفة تحث على الاشتغال بالقرآن وترغّب في قراءته وإقرائه ، وتعلّمه وتعليمه ، منها ما أخرجه الإمام أحمد وابن ماجة والحاكم عن أنس رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، قال : « إن لله أهلين من الناس ، قيل : من هم يا رسول الله ؟ قال : أهل القرآن هم أهل الله وخاصّته » « 1 » . ومنها ما أخرجه الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، قال : « خيركم من قرأ القرآن وأقرأه » « 2 » . ومنها ما أخرجه البخاري ، واللفظ له ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجة عن أبي عبد الرحمن السلمي ، عن عثمان بن عفان ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه » . قال وأقرأ أبو عبد الرحمن في إمرة عثمان حتى كان الحجاج ، قال : وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا « 3 » . ثم إن علم القراءات سند لكثير من استنباطات الفقهاء وحجة العديد من فروع الفقه وقضاياه ، حيث إنه باختلاف القراءات يظهر الاختلاف في الأحكام ، ولهذا بنى الفقهاء نقض وضوء الملموس وعدمه على اختلاف القراءات في لامستم ولامستم « 4 » [ النساء : 43 ] وكذلك جواز وطء الحائض عند الانقطاع وعدمه إلى الغسل على اختلافهم في حتّى يطهرن « 5 » [ البقرة : 222 ] .

--> ( 1 ) انظر : مسند الإمام أحمد 3 / 127 ، 128 ، 242 ، وسنن ابن ماجة : المقدمة باب فضل من تعلم القرآن وعلمه . قال محمد فؤاد عبد الباقي في الزوائد : إسناده صحيح . وانظر : مستدرك الحاكم 1 / 156 . وحسّن الحافظ العراقي إسناد الحديث . انظر : فيض القدير للمناوي 3 / 67 . ( 2 ) بإسناد جيد . انظر : النشر 1 / 3 . ( 3 ) انظر : صحيح البخاري ، فضائل القرآن ، باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه ، وسنن أبي داود : الصلاة ، باب في ثواب قراءة القرآن ، وجامع الترمذي : فضائل القرآن ، باب ما جاء في تعليم القرآن ، وسنن ابن ماجة ، المقدمة ، فضل من تعلم القرآن وعلمه . ( 4 ) ينظر : اختلاف القراء فيها في النشر 2 / 252 ، واختلاف المفسرين والفقهاء في تفسير الطبري 1 / 101 ، والمغني لابن قدامة 1 / 186 . ( 5 ) انظر : اختلاف القراء فيها في النشر 2 / 227 ، واختلاف المفسرين والفقهاء في تفسير الطبري 2 / 386 ، والمغني 1 / 353 .